تحذير: هذا المقال يحتوي على معلومات مفصلة عن القصة ونهايتها
مروج خضراء على مرمى البصر تحت سماءٍ زرقاء صافيةٍ لا تشوبها شائبة، لا أثر لطريقٍ مرصوفٍ، أو عربات… لا شيء سوى محيطٍ واسعٍ من الخضرة. هل تشعر بكلّ ذلك الهدوء والسلام؟ لست وحدك، فالملازم جون دنبار أيضًا قد وقع في حبّ ذلك المكان البريّ الجميل. كان قد فقد كلّ رغبةٍ في الحياة، لكن زملاءه وقادته ظنّوا أنّ محاولاته المستميتة للانتحار في ساحة المعركة شجاعة نادرة. وعندما ظنّ أنّ دقائق معدودةً تفصله عن الموت أخيرًا فترك لجام حصانه ورفع ذراعيه مستسلمًا، ظنّ زملاؤه أنّه يشجعهم فاستأسدوا في المعركة وانتصروا، وأعلنوه بطلًا بعدها!
أرى أنك لا تحبّ الأمطار الصيفيّة والحرّ الخانق، لكنّها طبيعة المغامرات الاستوائية، ولن يكون الجوّ مشكلتنا الوحيدة اليوم على أيّ حال! نحن الآن في مدينة ملكّا أو ملقّا الماليزية بأدغالها الكثيفة ومرفئها الشهير، وهي خالية من مظاهر الحداثة المميّزة لها الآن، لأننا في عام 1893. لنسرع قبل أن يفوتنا مشهد البداية! أين منزل عائلة «پان»؟ ها هو!
تحذير: هذا المقال يحتوي على معلومات مفصلة عن القصة ونهايتها
فارسٌ مغوارٌ يمتطي حصانه ليواجه طواحين الهواء، مشهدٌ أيقونيٌّ عابرٌ للثقافات أبدعه خيال الأديب الإسبانيّ «ميغيل دي سيرڤانتِس» في روايته «دون كيخوتي» قبل أكثر من 400 عام، وهي روايةٌ غير عادية تحكي عن حياة رجل غير عاديّ.
ها هو بطلنا، النبيل «كيخانا»، مستغرقٌ كعادته في قراءة إحدى قصص الفروسية التي كرّس حياته لقراءتها، وبلغ به الهوس بها أن باع بعض أجود أراضيه ليشتري المزيد منها. أدمن “كيخانا» قصص الفرسان الشّجعان الذين يجوبون الأرض بحثًا عن المغامرات، ويقضون أيامهم في مواجهة التنانين والعمالقة والسحرة، ويمضون لياليهم في التفكير في محبوباتهم القاسيات وسط حبكات درامية غير معقولة، في جوّ شبيه جدًّا بقصص المكتبة الخضراء التي كنا نقرأها في صغرنا. ومع مرور الوقت، اعتاد كلّ هذه الـ«أڤورة»، ففسد ذوقه، وأصبح يجد بلاغةً غير عادية في عبارات قصصه الرديئة، مثل: «إنّ علة علة العقل التي أصابت عقلي أضعفت عقلي حتى شكوت -لعلة- من جمالك»، فكان يقضي الليالي الطويلة يحاول فهمها واستخلاص عظيم المعاني منها، رغم أنّ «أرسطو نفسه لم يكن ليفهم معناها لو بعث من جديد لهذا الغرض وحده» كما يخبرنا الكاتب، الذي يخبرنا أيضًا:
❞اندمج كيخانا في كتبه تمامًا، فكان يقضي الليلة من الغروب إلى الشروق، وأيامه من الفجر إلى الغسق منكبًّا على قراءتها، ومع قلة نومه وكثرة قراءته، جفّ دماغه تمامًا، حتى أصابه الجنون ❝